ساسي سالم الحاج
44
نقد الخطاب الاستشراقي
« روبرت كتون Robert Ketton » بمساعدة هرمانوس الدلماشي وبمساعدة أحد العرب المسلمين الذي لم يعرف عنه شيء سوى أن اسمه « محمد » « 1 » . وأنجزت هذه الترجمة عام 1143 ، وهكذا ألّف هذا الحدث المعلم البارز والأساسي في مجال الدراسات الإسلامية بأوروبا الغربية . كان الغرض الذي هدف بطرس المبجل إلى تحقيقه من وراء ترجمة القرآن الكريم إلى اللغة اللاتينية هو هداية المسلمين - حسب اعتقاده - إلى محاسن الديانة المسيحية . وهذا الهدف نراه تبشيريّا بالدرجة الأولى ، ونعتبر هذا الراهب من أوائل المبشرين الذين استخدموا العلم لرد المسلمين عن دينهم . ومن هنا كان استنتاجنا أن التبشير هو الأصل الحقيقي للاستشراق وليس العكس صحيحا كما يذهب أغلب الباحثين . اعتبر بطرس المبجل أن الإسلام في حقيقته ما هو إلّا « هرطقة مسيحية » هي آخر الهرطقات وأشدها ضررا ، كما اعتقد أن التحدي الإسلامي لم يجد إجابة مسيحية مناسبة حتى أيامه ، ورأى أنه من الضروري مواجهة هذه الهرطقة التي شكّلت - حسب زعمه - الأصل والمنبع لكل الهرطقات التي كانت تغزو المسيحية الأوروبية التقليدية آنذاك . وهو يقول في هذا الصدد - عندما اعتقد أن الإسلام لا يشكل خطرا عسكريّا مباشرا ولكنه يشكل في حقيقة الحال خطورة فكرية لا يستهان بها ، لذا فلا بد من التعرف إليه أولا ، ثم مكافحته ثانيا - « إذا بدا أن العمل الذي أدعو إليه غير ضروري الآن لأن العدو لن يتأثر بهذا السلاح ، أجيب أن بعض الأعمال . . تتم من أجل ضرورات الدفاع . . . وهذا هو العمل الذي أقوم به أنا فإذا لم يكن بهذا الطريق إعادة المسلمين إلى المسيحية الصحيحة ، فلا أقل من أن يستفيد العلماء المسيحيون من عملنا في مجال دعم إيمان المسيحيين السذّج الذين يمكن أن تضير هذه الصغائر عقيدتهم » « 2 » .
--> ( 1 ) د . عبد الرحمن بدوي ، موسوعة المستشرقين ، دار العلم للملايين ط 1 ، 1984 م ، ص 68 . بدون تاريخ . ( 2 ) مقتبس بتصرف من مقال للدكتور رضوان السيد عن كتاب « صورة الإسلام في أوروبا في العصر الوسيط » تأليف رتشارد سودرن ، منشور في مجلة الفكر العربي ، رقم 32 المشار إليها آنفا .